السيد كمال الحيدري

18

معرفة الله

قال : فطأطأ رأسه عليه السلام ثمّ قال : « لولا ذلك لم يعلموا مَن ربّهم ولا مَن رازقهم » « 1 » . وعليه فالفطرة تعني تلك الكيفيّة المخصوصة التي وُجد الإنسان عليها وهي الإقرار بوجوده تعالى ووحدانيّته ومعرفته ، وهذه الكيفية المخصوصة لا دليل على حصرها بالإنسان وحده ، بل ثَمّ من الأدلّة ما يُثبت وجودها عند الخلق أجمعين ، وهذا القرآن الكريم بين أيادينا يصدح بذلك ؛ قال تعالى : الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ « 2 » ، وكأنّي بإبراهيم الخليل عليه السلام قد أراد بتوجّهه إلى ربّه أن يقول لنا بأنّه متوجّه إلى من أقرّت به السماوات والأرض ووحّدته وعرفته ، فكيف له وهو النبيّ المُرسل أن يُشرك بربّه أحداً ؟ ! قال تعالى وهو يحكي ما توجّه به خليله عليه السلام : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ « 3 » . وهذه الفطرة الأولى التي فُطر عليها الخلق ربّما يُعبَّر عنها أيضاً بالهداية الفطرية ، فيكون بذلك كلّ موجود مزوّداً بهذا المؤشِّر الفطري نحو الحقّ ؛ قال تعالى : الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى « 4 » ، وهذه الفطرة أو الهداية الفطرية تُحفِّز الإنسان وغير الإنسان أيضاً نحو تحصيل الكمال المطلق ولكن دون أن تُحدّد مصداقه ، أو إنّها تحدّد مصداقه أيضاً ولكن

--> ( 1 ) التوحيد للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ، تحقيق السيد هاشم الحسيني ، نشر جماعة المدرّسين : ص 330 . ( 2 ) فاطر : 1 . ( 3 ) الأنعام : 79 . ( 4 ) طه : 50 .